الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
11
القرآن نهج و حضارة
المشروع الدائم للحياة العنصر الأكثر إثارة وقوة في الوجود في هذا الكون هو الإنسان ، يجب أن يوجد شاء أم أبى ، ويجب عليه أن يحيا . أجل إنها الحياة ، ذلك هو السر في بقائه على مر العصور والأزمان ، مهما طالت أيدي بعضنا بعضا ، ومهما حاولت فئة أو طائفة أن تبيد الأخرى . إن الإنسان سوف يبقى إلى أن يأذن اللّه سبحانه له بأن يرحل من هذا الوجود . الحياة إذا لفظة تعني الاستمرارية والبقاء والحركة . وهي ضد الموت ، لأنها مركز وجود الإنسان ، الذي هو أحد الأحياء الموجودة والمتنوعة والمختلفة ، ولكنه أعظمها ، لهذا نراه يسعى دائما إلى الرقي ، وإلى الكمال ، والذي يوصله إلى ذلك طموحه ، وإيمانه الجبار بطاقاته وإمكانياته الكبيرة التي ما زالت ولا تزال تنمو وتكبر إلى أن خرق الأرض ، واخرج كنوزها ، وجاب البحار وعرف أسرارها ، وارتفع إلى المجرات والكواكب ووصل إلى أبعدها ، وذلك لم يتم لولا فضله ورحمته علينا كما في قوله تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ . « 1 » مع كل ذلك ولكي يحيا الإنسان حياة طيبة - تغمرها السعادة ويحدوها الأمل المشرق - لتحقيق طموحاته ، فهو بحاجة إلى مشروع دائم ، يتوافق مع هذه الحياة في كل مراحلها ، باعتبارها لا تنتهي ، فهي تمتد من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة . فليس الإنسان مجرد مادة أوجدت على هذه الكرة الأرضية وتنتهي بانتهائها بل خلقه اللّه عز وجل ليتجاوز مرحلة الدنيا إلى الآخرة
--> ( 1 ) سورة الرحمن آية 33